السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
85
مفاتيح الأصول
مثلا إذا سمعنا المداوى بماء الشعير فلا يمكننا أن نقول هو الماء والشعير كيف كانا أو المخرج عنه كيف كان وكذا الحال في المفرّح الياقوتي وأمثال ذلك من الأدوية المركبة بل المفردة أيضا مثل ماء الجبن وغير ذلك فإذا كان لغتنا لا يمكن فيها ذلك فما ظنك بالاصطلاحات الخاصة والمجازات المستعملة إذ كلَّما كان الشيء أخصّ كان توغَّله في الإبهام أزيد وعدم معرفته أشدّ وإذا كان الاصطلاحات الخاصة كذلك فما ظنك بالعبادات التوقيفية على خصوص الشّرع ليس إلَّا والمراد بالتوقيفي ما أخذ به الشرع خاصّة فلو كان غير العبادة أيضا كذلك كان أيضا كذلك إلَّا أنّه لم يوجد منه كل أمر وجزء العبادة ربما يكون عبادة توقيفية كالركوع والسجود وربما لم يكن توقيفية كالقيام والقعود في الصّلاة وكذا شرطها من الطهارة وغسل الخبث وأصل العدم يجري في غير العبادات وإن كان جزء العبادة أو شرطها إن لم يحتمل كون المنفي بهذا الأصل جزءا على حدة في نفس العبادة ومعتبرا في تحقق ماهيّتها بملاحظة وفاق أو غيره من الأدلَّة ويدل أيضا على عدم جريان أصل العدم في اللَّغات لغات العبادات وغيرها أن الأصل عدم كلّ شيء فكيف يستدلّ به على ثبوت كون شيء معنى اللَّفظ مع أن ذلك الشيء يكون الأصل عدمه أيضا معناه إذ لم يكن قبل الوضع معناه قطعا وبعد الوضع لم يكن فرق بينه وبين ما نفيته بالأصل بل إذا كان المنفي جزءا واحدا والمثبت أجزاء متعددة لأن كلّ جزء يكون الأصل عدمه فإن قلت ما تقول في جريانه في الموضع الَّذي ثبت من إجماع أو غيره دخول تلك الأجزاء في المعنى واعتبارها فيه ويكون النزاع في خصوص جزء أو أزيد مثلا بالإجماع ندري تسعة أجزاء والنزاع في جزء واحد وأن المعتبر تسعة أو عشرة فنقول التسعة ثبت بالإجماع والواحد ينفيه الأصل فيكون تسعة قلت الشيء ما لم يتشخص لم يوجد بالبديهة ومسلم ذلك عند الكل فما لم يوجد يكون باقيا على العدم الأصلي ولم يثبت خلاف العدم فيه والمعنى ما لم يتعيّن لم يكن موضوعا له ولا مستعملا فيه بالبديهة بل يكون باقيا على الحالة السّابقة على الوضع والاستعمال فإن أردت أن المعنى تسعة أجزاء أعم من أن يكون الجزء العاشر جزء من ذلك المعنى بحيث لو لم يكن لم يكن المعنى تاما وأن لا يكون جزءا أصلا بل يكون خارجا عن المعنى وتمام المعنى بتلك التسعة من الأجزاء فغلط واضح وتناقض محال وإن أردت أن المعنى تسعة أجزاء بحيث لا يكون للعاشر مدخليّة فيه أصلا ولم يكن تمام المعنى به بل بتلك التسعة وإن كنا قبل ملاحظة الأصل يجوز الأول أيضا ظهر لنا من الأصل أنّه الثّاني ففيه أنّه كما كان قبل الوضع لم يكن العاشر معتبرا في معناه من جهة أنّه لم يكن وضع لكن بعد الوضع بقي العاشر على العدم الأصلي كذلك التّسعة بالنحو الَّذي ذكرت لم يكن قبل الوضع معناه قطعا فكذا بعد الوضع بعين ما ذكرت وثبوت القدر المشترك بينهما وبين العشرة لا يعين ما ذكرت لأن العام لا يدلّ على الخاصّ وتحقق القدر المشترك لا يقتضي تحقق خصوص فرد إذ التسعة الَّتي ذكرت فرد من القدر المشترك الثابت قسيم التسعة التي تكون مع العاشر والأصل كما يقتضي عدم خصوص فرد كذا يقتضي عدم الآخر الذي هو قسمه على أن كلّ قسيم يتضمن فصلا أو قيدا يتقوم به ويتميز بسببه عن قسيمه يكون الأصل عدم ذلك الفصل والقيد وإن كان مثل السّاذجية في التصور السّاذج الذي هو قسم التصور مع الحكم على أن الحادث الثابت من الإجماع مثلا هو الوضع أو تجويز النّوع أو الإرادة في الاستعمال وكلّ واحد منهما شخص واحد من الحوادث لا تعدد فيه سواء تعلق ببسيط أو مركب قليل الأجزاء أو كثيرها والتركيب وزيادة الجزء في المتعلق لا يصير منشأ لتعدد الوضع والإرادة كلفظ تسعة ولفظ عشرة وليس الوضع في لفظ العشرة متعددا وضعا للتسعة ووضعا للواحد إذ لو كان كذلك لزم أن يكون وضع لفظ العشرة عشرة أوضاع بل عشرين لأن نصف الواحد جزؤه فيكون جزء الموضوع له بل ثلاثة أيضا جزؤه فيكون ثلاثين وضعا وربعه أيضا جزؤه فيكون أربعين وضعا وهكذا فيكون آلاف ألف وضع بل لا نهاية للوضع لعدم انتهاء الجزء واستحالة الجزء الذي لا يتجزى وهو بديهي البطلان فظاهر أن زيادة الجزء الموضوع له لا يصير سببا للزيادة في الوضع فلا يكون الأصل عدم كون الوضع للمركب بالقياس إلى الوضع للبسيط وهكذا بل لو صارت منشأ للزّيادة في الوضع كمّا أو كيفا مع كون الوضع حادثا واحدا لا نسلَّم أن يكون الأصل عدمه بالنسبة إلى غير الواحد كذلك مثلا إذا سمعنا صوت رجل في الدّار علمنا وجود رجل أمّا أن يكون أصغر من الرّجال وأقصر لأنه أقلّ ما يكون من الرّجال والأصل عدم زيادة الجثة أو الطَّول أو غيرهما فلا وهو ظاهر وحققنا في رسالتنا في الاستصحاب ردا على من يقول الأصل عدم البلوغ كرا في الماء الموجود دفعة نعم فيما يوجد قليلا قليلا على سبيل التدريج يكون الأصل كما قال لأنه موجودات متعاقبة ووجودات متعددة وأيضا أن التمسّك بالأصل موقوف على ثبوت حجة الاستصحاب حتى في نفس الحكم الشرعي لأن حال العبادات حال نفس الحكم مع أنّه ربّما يعارضه أصالة عدم كونها العبادة المطلوبة وأن شغل الذّمة اليقيني مستصحب حتى يثبت خلافه وهذا يعارض أصل البراءة أيضا لو تمسك به وممّا ذكر ظهر أن ما صدر من البعض من التمسك بالأصل فيما هو